ميّز الله الإنسان بالعقل والذاكرة، فهما الوعاء الذي يحفظ هويتنا ووجودنا. وفي كل مرة أقرأ فيها وصفاً لكُتاب وشعراء يتناولون هشاشة الذاكرة، أو النسيان، أو غياهب "ألزهايمر"، يعتصرني ألم لا يوصف.
أثناء قراءتي لرواية "ألزهايمر" للراحل غازي القصيبي، لامستني خاتمتها ووصفه الدقيق والموجع للمرض بشدة. وتكرر هذا الشعور مع رواية "ترف الانكفاء" لوائل الحفظي، وتحديداً في وصفه لحالة أبيه عندما غزا النسيان عقله. هنا، أشارككم تأملات ومقتطفات ترسم ملامح النسيان من منظور هاتين الشخصيتين الأدبيتين.
غازي القصيبي.. سياسة الأرض المحروقة
في روايته "ألزهايمر"، يكتب القصيبي على لسان بطل الرواية رسائل لزوجته، يصف فيها رعب التلاشي وتآكل الماضي أمام هذا المرض الموحش:
«عندما يتغلغل العزيز ألزهايمر في خلايا الدماغ سوف يحرق الماضي بأكمله. آه! سياسة الأرض المحروقة! أرض الماضي المحروقة! هذه الفكرة، على الأخص، هي التي تسبب لي الكآبة. أنْ أُصبحَ رجلاً بلا ماضٍ، بلا ذكريات، بلا أمس. تصوّري! أن ينسى الإنسان ابتسامة أمه المضيئة، أن ينسى ملامح أبيه الرضيّة، أن ينسى كل صديق عرفه، أن ينسى اسم زوجته الأولى، ألاّ يتعرف على زوجته الثانية لو رآها، مصادفة، في الطريق. تصوّري! والطامَّة الكبرى أن ينساك أنت: آخر الزوجات، آخر النساء، آخر المرافئ. أليست هذه كارثة الكوارث؟! تصوري أن أنسى لقاءنا الأول! تصوّري!»
ومن رعب الفقد، ينتقل القصيبي إلى تساؤل فلسفي عميق حول ماهية الذكريات، ومصيرها عندما تفقد مأواها في العقل:
«هل للذكريات حياة؟ هل لها روح؟ هل لها عقل؟ هل تشعر أنها، بعد حين، لن تجد مأوى في الذاكرة فتضطر إلى الهيام، شريدة طريدة، بلا ملجأ؟ هل هذه الذكريات كالأرواح المنكودة التي غادرت أجسادها ولم تستطع التحرّر من سجن الأرض فأصبحت أرواحاً ضائعة لا يؤويها أحد؟ وهل هناك تراتبية بين الذكريات؟ هل هناك طبقية؟ هل هناك تفرقة صارمة كالتي تميّز بين بشرٍ من الدرجة الأولى وبشرٍ من الدرجة الثانية وبشرٍ تحت خط التصنيف (وهذا مثل خط الفقر يضم الغالبية العظمى من البشر)؟ لم تكن هذه الأسئلة مهمّة في الماضي، ولكنها، الآن، تتطلب أجوبة. لم يعد الوقت يتسع لكل الذكريات، ولا أعرف أنا كيف أنظمها. ليس لي سوى أن أترك الأمر للذكريات نفسها، ترتّب أولوياتها في ما بينها بطريقتها الخاصة، وأفتح خلايا المخ، وأنتظر . هذا ما فعلته »
وفي لحظة تجلٍّ يحاول فيها التشبث بأي بصيص أمل، يتأمل المرض من زاوية مختلفة، متسائلاً عن "نعمة" نسيان الألم:
«عزيزتي،
أفكار جديدة تهبط عليَّ فجأة. بدا لي أن نسيان الأشياء السيئة لن يكون أمراً سيئاً . الأشياء السيئة! أوّاه! هل يوجد أكثر من الأشياء السيئة؟ أليست الأشياء السيئة في طفولتنا سرّ العذاب الذي نعاني وطأته طيلة حياتنا، طبقاً للعم فرويد وحتى أعداء العم فرويد؟ أليست الأشياء السيئة في حياة المراهق والشاب والشيخ سرّ شقاء كل منهم. وهذه الأشياء تلتصق بخلايا الذاكرة بعناد عجيب وتأبى أن تفارقها.أليس نسيان هذه الأشياء السيئة شيئاً إيجابياً؟ ماذا لو أفقت ذات صباح فوجدت أني لا أتذكر شيئاً واحداً سيئاً مرّ بي. تصوّري! لا أتذكر تعليقات الأسرة الجارحة التي عذبت طفولتي. لا أتذكر المدرس الساديّ الذي كان يتلذذ بإيذائي في المدرسة الابتدائية . لا أتذكر! لا أتذكر! لا أتذكر! أصحو بذاكرة نظيفة من الشوائب والمنغصات. ألن يجعلني هذا أسعد الناس؟ آه! يا للفكرة الجميلة! يا للفكرة الجميلة الوهمية! »
ثم يبحث في زوايا الروح عن ترياق، متسائلاً بمرارة عما إذا كان الحب قادراً على ترميم ما أفسده النسيان:
«عزيزتي،
في خضم الأفكار المظلمة، تراودني فكرة مضيئة كالشمس. ألا توجد قوة تقهر النسيان؟ قوة تستطيع وقف القاتل المتلصّص ألزهايمر؟ ماذا عن الحب؟ ماذا عن كلامنا الكثير عن الحب؟ الحب هو الذي يجعل العالم يدور. الحب أقوى من الموت. الحب يفعل هذا. الحب يفعل ذاك. آه يا عزيزتي! نقبت في المكتبة وقرأت عن عشرات الأشخاص الذين أصيبوا بالمرض. كان كل منهم يُحِب ويُحبَّ. إلا أن كل الحب الذي تلقوه، والذي أعطوه لم يستطع الانتصار على اللص القاتل اللئيم»
ويختتم القصيبي روايته بواقعية قاسية، معبراً عن تدهور الحالة إلى مرحلة يتجرد فيها الإنسان من إرادته، واصفاً إياها بحياة "الخضروات البشرية"::
« الحق أقول لك يا نرمين :
الكرامة البشرية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالعقل البشري. إذا ذهب العقل ذهبت معه الكرامة. هذه الحقيقة يُعبِّر عنها ، بدقةٍ متناهية، المثل الشعبي الذي يقول: (إذا أخذ ما وهب. سقط ما وجب» وأول الساقطين الكرامة البشرية .
صدقيني! لا كرامة لحيوانات ولا لخضروات ولا خضروات بشرية. صدقيني إذا قلت أني أعتقد أن الموت أفضل ألف مرة من عيش الخضروات البشرية »
وائل الحفظي.. تبادل الأدوار في مسرح النسيان
على الضفة الأخرى، ينقلنا وائل الحفظي في روايته إلى وجع من نوع آخر، وجع المرافق والمُحب الذي يرى أقرب الناس إليه يتلاشى. يصف لحظة استسلام ذاكرة والده للنسيان، وكيف تتحول بنادق الألم من المريض الفاقد للوعي إلى من حوله الذين يتجرعون مرارة الغياب:
«استسلمتْ ذاكرته للنسيان أخيرًا، إنَّه لانتصارٌ صغيرٌ ومبكّرٌ أن يتخلَّى الإنسان عن ذاكرته، عن شقائه وسعادته، عن كلِّ الأسماء والوجوه، وهنا تفقد الحياة متعتها في سحقه. بلا ألمِ لن يستمتع القاتل، ملامح الضحيَّة الجامدة تقتل في خصمها حتى فكرة المحاولة. إنَّ سقوطًا كهذا يريحُه، ولكنَّه لا يعي أنَّ كلَّ المدافع الموجَّهة نحوه استدارت نحوي. كنتُ أحاول لأيَّامِ كثيرةِ أن أُعلِّمه كيف يمشي. ذلك الذي كان يلفُ بي العالم على كتفَيْه بات كطفلٍ أو رضيع، لا يعرف كيف يأكل، ولا كيف يستخدم الحمَّام لقضاء حاجته . فجأةً صار أبي أنا، وصرتُ أنا هو»
ويغوص الحفظي أكثر في سيكولوجية هذا الغياب، واصفاً إياه بأنه أشبه بحيلة للهروب من عبء الحياة ومشاعرها، حيث تتساوى الأشياء وتفقد معناها:
« عليَّ أن أعترف أنَّها طريقةٌ ذكيَّة؛ أن تترك كلَّ شيء، أن تتركك أنتَ أوَّلًا ، وتعيش بذاكرةٍ موقَّتةٍ ومثقوبة، تسقط منها الأشياء بعد ثوان. هناك، حيث لا يوجد ما تحبُّ أو تكره، ما يضحككَ أو يبكيك، ما يخيفكَ أو يبهجك. حيث لا احتياج ولا اكتفاء، لا أمل ولا ألم . .. بهذه الذاكرة الموقَّتة تتساوى فكرة الموت وفكرة الحياة. لا أحد يستحقُّ أكثر من ثانيةٍ أو ثانيتَيْن، لا قلق يحتاج إلى حياةٍ كاملة، ولا موت يسرق منه أحدًا ، لأن لا أحد هُنا، حتى هو »
خاتمة
في النهاية، تتفق رؤية القصيبي والحفظي على أن الذاكرة ليست مجرد أداة لاسترجاع الماضي، بل هي جوهر الإنسان نفسه. وبدونها، يتلاشى المعنى ويغيب الإنسان عن ذاته قبل أن يغيب عن الآخرين. ولا أجد وصفاً أدق وأعمق لنختم به هذا التجوال المؤلم، أجمل مما قاله وائل الحفظي:
"فليس الإنسان سوى ذاكرة. ما نحن إلّا حيواتنا، قصصنا وكلُّ ما عرفناه ومررنا به"



هل نقدر نقول إن الشيء يصبح له قيمة إذا صار ذكرى ؟ . بنلاحظ أننا نميل نعيش ونربط الماضي بحاضرنا وهذا واقع لدرجة حتى تصرفاتنا تنتج بناء على ذكريات سابقة ، فعلاً ذاكرتنا ليست فقط مكان تخزين . ربنا يرفع عن كل مبتلى ويرحمنا برحمته يارب
ذكرتني كتابتك هذه لجدتي رحمها الله كانت مريضة بالزهايمر وفي آخر أيامها ما كانت تتذكرنا لكن لما تشوفنا تعانقنا وتبوسنا وتدمع عينيها...القلب لا ينسى